امام علی (ع): كسى كه دانشى را زنده كند هرگز نميرد.
شوشان ـ الدكتور محمد جواد المرمضي :
المقدمة
تكتسب التصريحات الاستراتيجية الصادرة عن القيادات العليا أهمية خاصة حينما تتناول مسألة الأمن القومي والجيوبوليتيكي. ويأتي تصريح سماحة آية الله السيد علي خامنئي، بأن أي حرب محتملة ستكون "حربًا إقليمية"، ليضيف بُعدًا جديدًا للتحليل الأمني في منطقة غرب آسيا. لا يُعد هذا التصريح خطابًا إنشائيًا أو تهديدًا سياسيًا اعتياديًا، بل هو توصيف علمي واقعي لطبيعة التوازنات الإقليمية الراهنة، ويعكس فهمًا عميقًا لتحول بنية الصراعات من الحروب الثنائية الكلاسيكية إلى النزاعات الشبكية متعددة الأطراف. الهدف من هذا التحليل هو تفكيك هذا المفهوم الاستراتيجي وتبيان الآليات الكامنة وراء هذا الاستنتاج.
أولًا: البعد الديني والفقهي
لا يمكن فصل الإطار الاستراتيجي الإيراني عن مرجعياته الفكرية والدينية، التي توفر الإطار النظري لتبرير وتوجيه العمليات الدفاعية.
1. فقه الدفاع في المدرسة الشيعية
يرتكز الفقه السياسي الشيعي (خاصة ضمن إطار ولاية الفقيه) على أن الدفاع عن الأمة الإسلامية والمستضعفين واجب شرعي (جهاد دفاعي). وحال تعرض مركز الأمة أو أحد أركانها لعدوان خارجي، فإن الرد لا يقتصر على الدولة المعتدى عليها فرديًا، بل يستدعي تفاعلاً جماعيًا يعكس مبدأ الأخوّة الإسلامية وضرورة حفظ الكيان.
2. مبدأ وحدة الساحات (Unity of Arenas)
يستند مفهوم وحدة الساحات إلى قاعدة فقهية استراتيجية مفادها أن الاعتداء على أي جزء من "جبهة المقاومة" أو مركزها يستدعي تفاعلًا متزامنًا من أطرافها المختلفة بصورة تلقائية. هذا التفعيل المتعدد الأطراف يضمن أن أي هجوم مركزي سيواجه ردود فعل موزعة جغرافيًا، مما ينقل الصراع من محور ثنائي (المهاجم ضد إيران) إلى محور إقليمي متعدد النقاط.
[ \text{إذا كان الاعتداء } A \rightarrow \text{الرد } R = (R_{\text{إيران}} + R_{\text{لبنان}} + R_{\text{اليمن}} + R_{\text{العراق}} + \dots) ]
ثانيًا: البعد السياسي والجيوبوليتيكي
تتميز منطقة غرب آسيا بكونها بوتقة جيوسياسية شديدة الحساسية، حيث تزدهر فيها شبكات التحالفات المعقدة التي تجاوزت الحدود الوطنية التقليدية.
تُظهر الخريطة السياسية للمنطقة تشابكًا أمنيًا عالي المستوى. إن أي صدام عسكري مباشر بين القوى الكبرى (سواء كانت إيران أو القوى الغربية/الإقليمية المعادية) سيؤدي حتمًا إلى تفاعلات متسلسلة تشمل دولًا وتنظيمات متعددة تمتلك نفوذًا أو قدرات عسكرية. وهذا يجعل حصر الحرب في نطاق جغرافي ضيق أمرًا مستحيلًا لوجود "مفتاح التشغيل الإقليمي" الذي تملكه جهات فاعلة غير حكومية أو دول متحالفة.
ثالثًا: البعد العسكري والأمني
القدرات العسكرية والردع المتبادل هي المحددات الأساسية التي تحول النوايا السياسية إلى واقع ميداني.
1. الردع غير المتماثل (Asymmetric Deterrence)
تعتمد الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة على استراتيجية الردع غير المتماثل، والتي تهدف إلى رفع تكلفة أي مواجهة إلى مستويات غير مقبولة للخصم. وتعتمد هذه الاستراتيجية على مزيج من القدرات التالية:
القدرات الصاروخية والمسيرة: تحقيق مدى واسع ودقة متزايدة، مما يهدد البنى التحتية الحيوية للخصوم الإقليميين والدوليين.
الحرب البحرية غير التقليدية: السيطرة على مضيق هرمز ومناطق الملاحة الحيوية في الخليج العربي.
القوة الناعمة (Proxies): استخدام شبكة واسعة من الحلفاء المحليين يضمنون وجود تهديد على مدار الساعة وفي مساحات جغرافية متباعدة.
2. سيناريو تعدد الجبهات (Multi-Front Scenario)
أي مواجهة عسكرية قد تبدأ في نقطة واحدة (مثل الخليج العربي أو الاشتباك المباشر مع إيران) ستؤدي حتمًا إلى فتح جبهات متزامنة وغير متوقعة في محاور متعددة:
الجبهة الشمالية/الشرقية: إشراك الميليشيات في العراق وسوريا.
الجبهة الغربية (جبهة لبنان): تفعيل دور حزب الله في مواجهة إسرائيل والقواعد الأمريكية المحتملة.
الجبهة الجنوبية (اليمن): تعطيل الملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب.
هذا التشابك العسكري يحوّل أي صراع من ثنائي إلى "حرب إقليمية شاملة"، حيث يتطلب الرد العسكري الأمريكي/الإسرائيلي الانتشار في عدة دول دفعة واحدة، مما يشتت القوة النيرانية ويضعف فاعلية الرد.
رابعًا: البعد الاقتصادي
تتجاوز تداعيات الحرب الإقليمية الحدود العسكرية والسياسية لتضرب شرايين الاقتصاد العالمي.
من المرجح أن تؤدي أي مواجهة عسكرية واسعة النطاق إلى اضطراب فوري في أسواق الطاقة العالمية. نظراً لأهمية الخليج العربي كشريان رئيسي لتوريد النفط والغاز، فإن أي تعطيل للمضائق أو المنشآت النفطية سيؤدي إلى:
ارتفاع هائل في أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي: مما يغذي التضخم العالمي.
تعطيل سلاسل الإمداد العالمية: خاصة في قطاعات النقل البحري.
هذا التأثير السلبي لن يقتصر على دول المنطقة، بل سينعكس سلبًا على الاقتصادات الكبرى، بما في ذلك الاقتصاد الأمريكي والأوروبي، مما يمثل عاملاً رادعًا غير عسكري.
[ \text{التكلفة الاقتصادية المترتبة } (C_E) \propto \sum (\text{اضطراب الإمداد}) \times (\text{حساسية النظام المالي العالمي}) ]
خامسًا: البعد الاجتماعي
للصراع تداعيات اجتماعية عميقة تؤثر على الاستقرار الداخلي والخارجي.
1. على المستوى الداخلي الإيراني
تاريخيًا، أثبتت التهديدات الخارجية المتصاعدة أنها عامل قوي لتعزيز التماسك الاجتماعي الداخلي في إيران، وتراجع الانقسامات السياسية الداخلية مؤقتًا لصالح الجبهة الموحدة في مواجهة العدوان الخارجي.
2. على المستوى الإقليمي
تتعزز شعبية خطاب "المقاومة" و"الاستقلال الإقليمي" بين الشعوب العربية والإسلامية عند التعرض لتهديدات خارجية. ويزداد الرفض الشعبي للتدخلات الأمريكية والسياسات الغربية في المنطقة، مما يوفر غطاءً اجتماعيًا وسياسيًا لعمليات الرد الإقليمي.
سادسًا: البعد القانوني الدولي
على الرغم من أن النزاعات الحديثة غالبًا ما تتجاهل القوانين الدولية، إلا أن هذه القوانين تظل أساسًا لشرعنة الردود المتبادلة.
يُعد أي هجوم عسكري غير مبرر انتهاكًا صارخًا للمادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة. في المقابل، يمكن تكييف ردود الفعل الإقليمية المنسقة ضمن إطار "الدفاع الشرعي الجماعي" (Collective Self-Defense) وفقًا للمادة (51) من الميثاق، شريطة إثبات وجود عدوان مسلح سابق من قبل الطرف المهاجم، مما يوفر غطاءً قانونيًا (وإن كان مثار جدل) لتعدد الجبهات المدافعة.
الخلاصة
إن تصريح قائد الثورة الإسلامية يمثل تحذيرًا عقلانيًا قائمًا على معطيات جيوسياسية وعسكرية واقعية. إنه يؤكد أن البيئة الاستراتيجية في غرب آسيا قد وصلت إلى مرحلة "الترابط الأمني"، حيث أصبحت جميع الأطراف المتصارعة جزءًا من شبكة واحدة. وبالتالي، فإن أي مغامرة عسكرية تستهدف طرفًا واحدًا لن تكون محدودة، بل ستتحول حتمًا إلى حرب إقليمية واسعة النطاق ذات كلفة باهظة اقتصاديًا، وعسكريًا، وسياسيًا على جميع الأطراف المشاركة، بما في ذلك القوى الخارجية المتورطة. هذا المفهوم هو جوهر استراتيجية الردع المعاصرة لإيران.